بعد اكثر من سنة على خروج عائلتي من السجن عام 1986، وتفجير منزلنا في (كاني مالا) وتسويته بالأرض، حشروهم في (زيل عسكري)، ورموهم في (گلي بالندا)، قائلين لهم: إلتحقوا بابنكم (السرسري)!. ذهبوا الى قريتنا الواقعة على الحدود التركية، وكانوا شبه عراة وحفاة. استقروا هناك، وكنت ازورهم كل شهرين مرة، حيث امضي معهم 10 ايام، استريح معهم واطلع على احوالهم. كنت اعبر النهر اثناء المغرب او عند الفجر من نقطة مقابل قرية (سروكاني) الواقعة باتجاه (شيلادزي).
في عصر احد الايام، حاولت العبور مبكرا لكي استطيع اللحاق بسيارة (البيكاب) في باب (گلي بالندا)، فقطع المسافة مشيا على الاقدام الى قرية (جم جى)، يستغرق 8 ساعات تقريبا. ارسلت (عايشه زوجة مشختي) من قرية (سروكاني) الى الضفة الاخرى، لتخبر الجحوش بعبوري، وهم من اقاربي، وبيوتهم في (شيف جناركئ) قرب (شيلادزي)، ودائما ما يحرسون في (گری کولا) امام قريتهم. عادت المرأة واخبرتني بما قالوا لها: " عليك ان تعبر الشارع بسرعة، وتنتظر حتى تخف حركة السيارات".
مازالت الشمس تضيء المكان،عندما عبرت نهر الزاب بواسطة (الكلك). تأبطت كلاشنكوفي (اخمس حديد)، وتوجهت الى الشارع الذي تفصلني عنه مسافة 10 دقائق تقريبا. عليّ ان اتحرك باتجاه الربيئة الواقعة على تل مرتفع، والتي يرابي فيها الجحوش اقاربي، وينتظرون مروري.
حين وضعت خطوتي على الشارع، جاءت سيارة (كورولا) خضراء جديدة، وصلنا سوية الى الشارع!، نظرت في وجه السائق، تعرفت عليه مباشرة، انه ابن عم (والداي)، ومن اغوات العشيرة، ورجل محترم، يعمل بالمقاولات الثانوية، لكن شقيقه عنصر مشهور، ومسوؤل كبير بالاستخبارات، وابن شقيقه مسوؤل مفرزة استخبارات متخصصة بملاحقة الشيوعيين فقط، هو من قتل الشهيد ابو رؤؤف وعزيز. طلبت منه التوقف، فوقف. كانت بندقيتي بيدي استعدادا لاي طارئ. أطلّ بوجهه الخائف المصفر من شباك السيارة، لم يتعرف علي، بسبب اللحية الكثة و (الجمداني) الاحمر.
سألته: - من اين قادم؟
- من دهوك، وذاهب الى هناك، مشيرا الى قرية (شيلادزي)
- من اي اقرية انت؟
- من هذه القرى
بعد عدة اسئلة ارتبك كثيرا، فقلت له: "ألم تكن فخري، شقيق فلان بالاستخبارات، وعم المجرم فلان؟. ضاع لسانه، وراح يتوسل ويلعن اخوه وابن اخوه، متبرءً من اية علاقة معهما. صدقته، لأني اعرفه وابنه النظيفين الوحيدين في هذه العائله. قلت له: "اذهب وسلملي على فلان"، فعلم اني من ابناء المنطقة!. كان الجحوش في الربيئة، يصفرون، ويصيحون، طالبين مني عدم ايقاف السيارات، والتحرك بسرعة.
في احد الايام من عام 1992، كنت اتمشى في مدينة دهوك، رأيت رجلا مسنا جالسا على مصطبة في مقهى قرب حائط مركز الشرطة. تجاوزته بخطوتين، ثم عدت اليه، سلمت عليه، فرد السلام دون ان يعرفني. طلبت منه ان اجلس الى جانبه، فرحب بي وطلب لي قدح شاي، ثم سألني: " من انت خالو"؟...
قلت له: " هل كانت لديك قبل عدة سنوات سيارة كورولا خضراء"؟
- نعم مازالت موجودة
- حدث معك بالمكان الفلاني ان وقفك احد البيشمركة؟
ارتبك الرجل وقال: نعم نعم
قلت: انا الذي اوقفك في ذلك اليوم
اندهش في بداية الامر، ثم سألني من اكون؟، أجبت: "انا فلان ابن فلان"
نزلت دمعة من عينيه وحظنني!... قال " شوف عمي، الدم ابدا ما يصير مي، والله لو غيرك ويعرف باني اخو (فلان وعم فلان) لقتلني فورا، بسبب ما اقترفوه من جرائم. ولعلمك كنت احمل في سيارتي 25 الف دينار سويسري، وعلى وشك ان اقول لك: "خذها واطلق سراحي".