الفنان حسن جعفر حسين (مهند العلاق)، من مواليد الكوت، انهى دراسته الإعدادية فيها عام 1976، ثم تقدم بطلب قبوله للدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة، ولما كانت الاكاديمية في ذلك الوقت محتكرة فقط لاعضاء حزب السلطة، فتم قبوله في جامعة الموصل كلية الإدارة والاقتصاد. يقول العلاق: "في الجامعة كانت المفارقة الأعظم في حياتي الفنية، حيث التقيت بالفنان الراحل الأستاذ راكان دبدوب الذي كان يعمل في نفس الكلية ويدير مرسمها. توطدت علاقتي مع الأستاذ الفاضل راكان لدرجة انه منحني مفاتيح المرسم، فصرت أداوم في المرسم أكثر من قاعة المحاضرات".
في عام 1977، أقيم في الموصل مهرجان الجامعات العراقية الثقافي، فشارك العلاق في المهرجان، لكن لوحاته استبعدت من المسابقة، لاعتقاد لجنة التحكيم بان هذه الأعمال لا يمكن ان تكون من اعمال طالب في كلية الإدارة والاقتصاد، بل هي من أعمال فنانين محترفين. ومع ذلك كرمته الجامعة بجائزة استثنائية.
يقول العلاق: "عندما بدأت الهجمة على الشيوعيين في عام 78، تركت جامعة الموصل، وذهبت إلى بغداد، وبقيت متخفياً فيها حتى عام 1979. خلال تلك الفترة تعرفت على بعض رفاقنا الشيوعيين عن طريق شقيقي الذي كان حينها يعمل خطاط في جريدة طريق الشعب. هؤلاء الفنانون، كانوا يعملون في البناء الداخلي لمحل صياغة يملكه شخص صديق عزيز، وهو أقرب إلى الشيوعيين من انفسهم، واخوانه وأخواته منتمون إلى الحزب، خرجوا من العراق معنا. في عام 1979، اشتدّت هجمت النظام على الحزب بشكل كبير، حينها جاءت فكرة خروجي من العراق، فقاموا بتزوير كتاب (على اني اعمل في التلفزيون العراقي بصفة مصور، وعندي كتاب اجازة)، وهكذا استطعت استخراج جواز سفر رسمي، وسافرت إلى بيروت بعد بضعة أيام. وصلت إلى (جمهورية الفاكهاني)!، حيث الثورة والثوار والحرب الاهلية المشتعلة، والشيوعيون العراقيون الذين التحموا بالثورة الفلسطينية قلباً وقالباً، وعملت في الصحافة الفلسطينية كرسام في صحافة الأطفال".
التحق النصير مهند بحركة الانصار في عام 1980، حيث وصل الى (كلي كوماته) في قاطع بهدينان، وانضم الى السرية الأولى على نهر الخابور ومفارزها المتجولة في (بري كارا، و برواري بالا)، ومكث يتجول ورفاقه في المنطقة حتى عام 1982، حيث لم تسمح له صحته بالاستمرار، فتم ارساله الى بلغاريا للعلاج، لكنه بعد فترة قصيرة، عاد الى دمشق، وفيها عمل في تصميم الكتب وأغلفتها، واستطاع ان يقيم معرضه الشخصي الأول.
الصورة: في معرض الفنان مهند في دمشق 1983، من اليمين مفيد الجزائري، وماجد الخطيب، ومهند العلاق، والشهيد فؤاد يلدا (أبو أيار) قبل التحاقه بالحركة الانصارية، وأبو ساكو، وصديق للشهيد (فؤاد)، والأخير الفنان سعد علي.
في عام 1983، سافر الى هنغاريا، وفي عاصمتها بودابست، درس الرسم في أكاديمية الفنون الجميلة، وعندما انهى دراسته بعد 6 سنوات وتخرج كمختص بالفن التشكيلي، ترك هنغاريا بسبب الظروف السياسية الجديدة، واقام في هولندا.
يقول الفنان مهند: "في 1993، وبعد التغيرات التي حدثت في عموم الدول الاشتراكية، اضطررت للبحث عن مكان آمن، فوصلت الى هولندا التي وجدت فيها الاستقرار والفرص، وفتحت مرسمي الخاص وانطلقت الى عالم الفن حيث اقمت العشرات من المعارض الشخصية والمشتركة في هولندا وهنغاريا وبعض البلدان الأوروبية الاخرى، بالاضافة الى سوريا. امّا اخر مشاركاتي، فكانت في 8 / 10 / 2025 في هنغاريا، حيث وجه لي اصدقائي والاساتذة الهنغار كتكريم لي، دعوة لاقامة معرضي الذي تمت التهيئة له من خلال وفد جاء من المدنية التي يطلق عليها (كولر تاون) المدينة الملونة، الى هولندا وأجرى معي عدة لقاءات، وعملوا فلما عني ولوحاتي، كما ان الصحافة الهنغارية كتبت عن المعرض الذي حمل عنوان: (توأمت الفن بين الرسم والموسيقى العراقية). وكان العمل بمشاركة الفنان الموسيقي عمر منير بشير، والده منير بشير من الفنانيين البارعين في الموسيقى. اقمت علاقة طيبة معه وعائلته بالرغم من معرفته باني شيوعي وكنت في حركة الأنصار، بينما لا علاقة له بالسياسية، ودائما ما يزور العراق ويعود الى هنغاريا. قال لي مازحا "ابن العلاق، يجي يوم واتعلق من وراك!"، لكنه بعد احتلال الكويت، ترك السفر الى العراق، وعاش في بودابست حتى وافاه الاجل في 28 أيلول 1997".
هذا ويذكر ان الفنان مهند وأصدقاءه الطلبة في هنغاريا، اقاموا عام 1991 (كونسيرت) للاستاذ الموسيقي منير بشير وابنه (كان صغيرا) في الاكاديمية في بودابست، وقدموا مقطوعات موسيقية راقية ومذهلة، نالت اعجاب الجمهور، وتم بيع أكثر من 500 كاسيت للفنان بشير.
كتب الاستاذ كريم النجار عن الفنان مهند: "يثير الفنان العراقي مهند العلاق المقيم في هولندا والمغترب عن بلده منذ ربع قرن في رسوماته حواس المتلقي ويستفزها، ليس لانها رسومات غير مألوفة وغرائبية الشكل، بل بما تثيره من أسئلة وجودية وابداعية لها علاقة بطبيعة الإنسان ومأزقه الحياتي. يعمل على تشذيب مفرداته التشكيلية إلى أبعد حد في مواجهة تغيرات بنيوية هائلة تطرأ على عالمنا المعاصر كل يوم، وكأنه بهذا الفعل يرد اعتبار البراءة المهدورة وحلمه المسفوح على سنين غربته. اراد في منتصف سبعينيات القرن الماضي دراسة الفن في اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، فوجد نفسه في كلية الاقتصاد جامعة الموصل، لأنه كان شيوعيا ولم ينتمي لحزب البعث، لكنه وجد ضالته في العون الذي قدمه له أستاذه في الكلية أنذاك الفنان القدير راكان دبدوب، وحين ضاقت مساحة الحرية والرأي واتسعت سجون البلاد، وجد نفسه يرتقي جبال كردستان مع رفاقه الشيوعيين تمردا على واقع سيجر العراق فيما بعد إلى أتون حروب ومآس متواصلة. ومن كردستان الى سوريا، ثم هنغاريا التي واصل دراسة وتدريس الفن في جامعاتها حتى امتدت به مساحة الغربة إلى الاراضي المنخفضة هولندا".
النصير الشيوعي العدد 41 السنة الرابعة كانون الاول 2025

