كل من عاش وعمل في قاطع أربيل خلال السنوات التي تلت عام 1984، يعرف جيدا مقر (آسته)، ذلك المكان الذي شكّل محطة مهمة في ذاكرة الكثير من الرفاق. في مقر (آسته) اجتمع مناضلون خاضوا مرارة المعارك التي مرت بها حركة الانصار، سواء في المواجهات مع قوى النظام او خلال الاقتتال الداخلي بين أوك (الجلاليين) وقوى المعارضة الاخرى، فضلا عن الخسائر المؤلمة التي فقدنا فيها اعزاء كثر. ومع ذلك، كان لمقر (آسته) نكهة مختلفة تماما عن بقية المقرات التي عشت وعملت فيها.
بلغ العدد في المقر مستوى كبيرا جدا، إذ اعتدنا جميعا النوم في مكان واحد. ولا أعرف على وجه الدقة طبيعة هذا المبنى في السابق، لعله مدرسة، أو جامع، أو ديوان. لكنه اتسع لاكثر من خمسين رفيقا، وضم وجوها ربطتها علاقات جميلة برفاق آخرين في مناطق ومقرات بعيدة، حتى ان بعضهم اعتاد اخذ اجازة خصيصا ليقضي ايام عطلته في مقر (آسته)، وسط اجواء من الفرح والمرح.
لعبة الورق (الكنستر) كانت من اكثر الالعاب انتشارا انذاك، وبيننا لاعبون يصعب جدا منافستهم لما يملكونه من مهارة وذكاء وفطنة عالية. أما الاجواء الاخرى، فارتبطت بـ(أبو زهرة نيكوتين) وطقسه الخاص في اعداد الشاي، أو كما كنا نسميها "تخدير الشاي"، ودعوته لنا لشربه معه. كان يحضّره في علبة لحم فارغة سبق أن استُخدمت في وجبة الغداء. أما كيف يحصل أبو زهرة على الشاي في ساعات متأخرة من الليل، فذلك سر لا يعلمه الا الله وأبو سعد (كاظم انضباط) المسؤول العسكري والاداري والسياسي في المقر.
المفارقة الجميلة، ان هذا الرجل كان قريبا من الجميع. يبعث الارتياح في نفوسنا، ويشارك الصغار والكبار الضحك والحديث. لذلك لم يكن غريبا ان يُطلق على مقر (آسته) اسم "مقر الديمقراطية والسلام"، في مقارنة واضحة مع مقرات أخرى وطبيعة القيادات فيها، وكذلك طبيعة العلاقة بين القيادات والانصار.
في الصباح، كان ابو سعد يوقظ الانصار باطلاق رصاصة من الكلاشنكوف، ليبدأ اليوم بابتسامته ونكاته المعتادة. أما اداري القاطع، فقيدنا (أبو عادل)، فكان مثالا مذهلا في العدالة، حتى كنا نضطر أحيانا الى التحايل عليه للحصول على كميات اكبر من المؤن للمقر، ضمن خطط جماعية مدروسة من الرفاق!. والاطرف اننا عرفنا بعد سنوات طويلة، ان ابا عادل كان على علم بكل "كلاواتنا" وخططنا!.
في مقر (آسته) عشنا مع رفاق كثيرين، قسم منهم ما زال على قيد الحياة، وقسم آخر رحل مبكرا، سواء في المعارك ضد السلطة الفاشية، أو في الغربة، او داخل الوطن. تبقى هذه الذكريات مجرد قطرة من بحر واسع اسمه (الحياة الانصارية)، بما حملته من أجواء خاصة، وحياة لا تشبه سواها في اي مكان اخر.