ثقافة / صدرت للروائي حمودي عبد محسن رواية ( القوش في ليال طوال) عن دار السرد – 2025- وهو الإصدار الرابع عشر من كتبه، وله كتابان باللغة السويدية فضلاً عن مساهماته بقصص قصيرة مع 27 كاتباً وكاتبةً سويديين في أنتولوجيا أدبية صدر عن اتحاد كتاب سمولاند.
ولد الروائي حمود عبد محسن في مدينة النجف عام 1953م ، وترعرع في أجواء الشعر والأدب ومارس الخطابة ثم درس في كلية الفقه، وسافر إلى كييف في أوكرانيا لدراسة الجيولوجيا، وقضى سنوات طويلة في كردستان ضمن حركة الأنصار ثم سافر إلى السويد واستقر فيها، ودرس تطوير المعرفة والبرمجة الصناعية، وهو عضو اتحاد الكتاب السويديين.
لكن المثير أنَّ الروائي حمودي عبد محسن كتب روايات متعددة عن أكثر مكونات العراق، وهذا ما تفرد به وأعطاه خصوصية أن يلم بأطياف العراق المتعددة كما لو أنه يوحدها في عراق واحد موحد، فقد أصدر روايتين عن النجف :(الدفان والغجرية) ، و(حكاية من النجف)، ورواية عن بغداد ( امرأة الحلم)، ورواية عن عانة (المزمار) ورواية عن الإيزيديين ( حب في ظلال طاووس ملك)، ورواية عن الصابئة المندائيين ( الراية البيضاء – الدرفش) ومذكرات عن كردستان (عند قمم الجبال).
وهذه حالة نادرة في الأدب العراقي أن يكون يكتب روائي عراقي عن مكونات العراق بهذا الإلمام والجد، والمثابرة ويغوص في ماهية مكونات العراق بألق وطني كما أشار الكاتب فارس ججو في مبحث له عن رواية (القوش في ليال طوال) إذ يقول “يرسم عنهم الروائي حمودي عبد محسن في أعماله الروائية لوحات متناغمة عن وجودهم وطبائعهم وأخلاقهم ودياناتهم ومعارفهموثقافاتهم. كل ذلك بأسلوب روائي ودرامي وواقعي وخيالي وروحي وأسطوري… جمع كل هذه الأشياء في لغة متقنة وصافية لتخلق للقارىء أجواء غريبة ولكنها أليفة وقريبة إلى القلب والعقل).
تتحدث رواية (القوش في ليال طوال) عن مدينة القوش التاريخية الكلدانية. وتخوض في عالم المدينة العريقة في حضارة وادي الرافدين التي تفاعل معها الروائي بروح مفعمة بالبحث وتوظيف عالم الطبيعة. حيث عرف المدينة عن كثب. يتحدث الروائي في بداية فصل الرواية عن بدايات نشوء القوش الموغلة في القدم حيث يصف جبلها، وكهف المياه، ووادي المياه الذي نشأت فيه القوش الأولى حيث كان الوادي أشبه بفردوس الأرض من حيث جماله، وزهوره ونباتاته. هنا يتوقف أيضاً على تسمية القوش التي اختلف عليها المؤرخون، فيرجعها الكاتب إلى (إيل قوش) التي تعني الإله الكبير.
فيخوض في هذه المرحلة الزمنية ما قبل المسيحية في بناء القرية التي ما لبثت تطورت بمرور الزمن بجهد تعاون أهلها في المرحلة الزراعية، وبناء البيوت فوق الكهوف، ومما يثير القارىء هذا الربط بين القرية التي تقع في سفح الجبل، والجبل نفسه الذي كان زاهيا بنباتاته وحيواناته وطيوره وينابيع المياه ويتناول عاداتهم وتقاليدهم واحتفالاتهم والروح الجماعية المتفانية في الزراعة والصيد في تطوير واتساع القرية ثم مساهمة أهلها في الحضارة الآشورية التي ساهم أحد أفرادها وهو الكاهن توديا مع سرجون الثاني لاحتلال السامرة التي تعاونت مع مصر في إثارة الفوضى في الإمبراطورية الآشورية، وحدث أن جلبت السبايا من يهود السامرة، وكانت من حصة القوش خمسين فرداً من السبايا. هنا تحدث علاقة حب بين الكاهن توديا وسبية يهودية سارا إلا أنَّ هذا الحب لم يدم،
فيستدعي سرجون الثاني توديا إلى مرافقته إلى القفقاس ليحبط تمرداً عليه، فيقتل هو وتوديا في كمين، وحين تعرف سارا أنَّ حبيبها توديا قد قتل تصاب بصدمة، فتهيم في جبل القوش متشردة ضائعة تعاني من خبر موت توديا، وتموت في الجبل ثم تتناول الرواية سقوط الإمبراطورية الآشورية بإسهاب وتتحدث عن نبوءة النبي ناحوم قبل سقوطها التي أشار اليها متنبأً بهذا السقوط، وتركز الرواية عن القوشية النبي ناحوم الذي قبره مازال قائماً في القوش، ويزار من قبل الناس.
ثم فيما بعد تغوص الرواية ببشارة السيد المسيح، ودخول المسيحية إلى القوش، ويجري التحول التاريخي لدى أهلها ، ويبدأون في تشييد الكنائس، فتكون مرحلة جديدة في حياة مجتمعها. هنا تركز الرواية بإسهاب على الربان هرمزد الذي عاش في كهف للتعبد، ومساعيه في تشييد الدير الموسوم باسمه اي دير الربان هرمزد، وكيف تم حفر الصوامع في صدر الجبل من قبل الرهبان الذين التحقوا به، فأصبح الدير مشهورا لكن هذا الدير تعرض إلى حملات اضطهاد وقتل وسلب ونهب وتدمير خاصة مكتبة الدير التي تمتلىء بمخطوطات كثيرة بعدة لغات، فكانت حملات كثيرة تعرضت لها القوش والأديرة والكنائس تبدأ من تيمورلنك، ونادر شاه، والأمير ميرا كورا.
الرواية تتحدث أيضاً عن القديسين كالقديس أنطونيو الذي يلقب أبو الرهبان حيث هو أول من أوجد الرهبنة في مصر، وقد اشتق مفهوم – الأنطونية الهرمزدية الكلدانية – التي تعتبر طريقة ومنهجاً للكلدان في العراق.
هذا وتتناول الرواية باتساع عن القديس ماكوركيس الذي شيدت باسمه كنيسة مار كوركيس ثم تتطرق إلى دير حافظة الزروع السيدة مريم العذراء فعليه جاءت فصول الجزء الأول كالتالي:
الجزء الأول : الليلة الأولى: إيل قوش.
والليلة الثانية: فردوس الأرض، والليلة الثالثة: عيد راس السنة اكيتو،والليلة الرابعة: السبي الآشوري، والليلة الخامسة : الحب والموت،والليلة السادسة: نبوءة النبي ناحوم – سقوط الإمبراطورية الآشورية، والليلة السابعة: بشارة السيد المسيح، والليلة الثامنة: الشهيد القديس مار گورگيس، والليلة التاسعة: القديس هرمزد، والليلة العاشرة: دموع القديسين،والليلة الحادية عشرة: نبوءة القديس مار ميخا.
ثم جاءت فصول الجزء الثاني من الرواية كالتالي: الفصل الأول: ينابيع الروح الأبدية. والفصل الثاني: سيمورامات- محبوبة الحمائم. والفصل الثالث:طائر القديس( طيرا قديشا). والفصل الرابع: دير السيدة حافظة الزروع. والفصل الخامس: الزهرة البيضاء السامة. والفصل السادس: سوار الحب. والفصل السابع: سطانائيل. والفصل الثامن: لغز حجر السنونو.
والفصل التاسع: عقدة ليليث، والفصل العاشر: انتقام ليليث. يعقوب الالقوشي ثمَّ الختام.
وتتبع الرواية أسلوباً خاصاً حيث الجدة تتحدث لحفيدها توما قصصاً من مخطوطات محفوظة في صندوق خشب احتفظت به الجدة عن أجدادها بالتوارث، لتعد حفيدها إلى المستقبل الذي ما يلبث هذا الطفل يحكي القصص إلى زملائه خاصة عندما يلعبون سوية وحين يسقط المطر يذهبون إلى كهف المياه ليواصل حديثه عن ما سمعه عن جدته.
ثم بمرور السنوات يصبح توما صبياً ويقع في حب صبية اسمها سيرين راعية ماشية حيث كانت ترعى ماشيتها في الجبل قرب ينبوع ماء التي تقع قريتها في الجانب الآخر من سفح الجبل. هنا يتسم هذا الحب ببراءة عالية الذي يوغل الروائي بوصفه بدقة وتتم اللقاءات بين الحبيبين لكن يحدث ذات يوم لم تأت الصبية إلى الموعد، فقد استبدلت بأخيها ، فيتقدم إليه
توما، ويسأله توما عن سيرين، فيجيبه إنها ماتت، فيصاب توما بصدمة عنيفة، فسار في الجبل تائهاً ضائعاً، ويجد نفسه في نهاية المطاف يطرق باب دير السيدة حافظة الزروع، فيخرج له الرهبان، ويجدونه في وضع مزري، فيساعدونه، ويبقى في الدير. ثم فيما بعد يلتقيه الأب رئيس الدير، ويخيره بين البقاء أو المغادرة، فيختار البقاء في الدير، ويصبح راهباً غير أنَّ حبه لسيرين لم يغادر قلبه، فذات يوم يصعد إلى الجبل لأنه يحن إلى مكان لقائه مع سيرين، وإذا به يتفاجأ أن يرى سيرين واقفة حزينة قرب ينبوع الماء. هنا عرف أنَّ أخاها قد كذب على توما، وقد عرف توما أنَّ سيرين قد تزوجت بعد أن عجزت عن أن تنتظر بضغط من أهلها . هنا يناقش الروائي كيف أنَّ هذه الكذبة حطمت حياة الحبيبين.
الرواية لا تخلو عن فلسفة عميقة لمفهوم الوجود الإنساني في الخلق والموت، الغياب
والحضور، الذات والجمال بتوظيف خيالي أسطوري، لذا سأكتفي بما كتبه عنها بعض الأساتذة المتخصصين المعروفين:
١- العالم والباحث الهادي الهروي:
(رواية “القوش في ليالي طوال” رواية تنهل من ثقافة الحضارات القديمة المتعاقبة على العراق. بل هي أكثر من ذلك بحث أنثروبو تاريخي يكشف عن الجوانب الاثنوميتدولوجية لمجتمع منطقة نينوى ومدينة القوش، وتعامل سكانها مع الآلهة والكهنة والاطلاع على أنشطتهم اليومية وتصرفاتهم وسلوكهم إزاء الظواهر الطبيعية. إنها تحلق بالقارئ في عمق الأساطير ووظائف الإلهة عبر الحلم والخيال. إنها أيضا سجل بيداغوجي لتكوين النشء الاجتماعي العراقي على حضارته المتجذرة في التاريخ).
وكتب عنه الكاتب والفنان التشكيلي محمد خصيف: (رواية «القوش في ليالٍ طوال»
للأديب حمودي عبد محسن، ليست مجرّد حكاية تُروى، بل أنين ذاكرةٍ عراقيةٍ قديمة تتهادى بين الجبال والوديان، وتُشعل في العتمة قناديل الحنين. إنها مرثيةٌ لمكانٍ وناسٍ وزمنٍ، يختلط فيها التاريخ بالأسطورة، والواقع بالحلم، حتى تغدو القوش أكثر من بلدة؛ تصبح رمزًا للروح العراقية في صمودها، وصورتها في مرآة الليل الطويل.
في ليالٍ تتوالى كالموج، يُنسج السرد كخيوط الضوء على نول الظلمة، فتتعانق أصوات الجدّات والرواة مع صوت الراوي الحالم، لتولد حكايات تفيض دفئاً ووجعاً، حضوراً وغياباً. في كل فصلٍ من الرواية، تتفتّح الذاكرة مثل زهرةٍ في الريح، تنثر عطرها بين الحنين والفقد، الأمل والانكسار.
لغة الرواية تنبض بشعرٍ نثريٍّ رفيع، تُكتب بالجمال كما تُكتب بالدمع، ويجعلها الكاتب تسير بخطى الزمن المتكسّر، كأنَّ الماضي والحاضر يتحاوران في صمتٍ عميق.
“القوش في ليالٍ طوال» ليست رواية مكانٍ فحسب، بل نشيدٌ للإنسان في مقاومته للنسيان، واحتفاءٌ بالحكاية كوسيلةٍ للبقاء. إنها سفرٌ في الذاكرة العراقية، حيث يتحوّل الليل إلى مرآة، والزمن إلى حكايةٍ تُروى لتُبقي على نبض الوجود).
أما الكاتب محمد الكحط فقد كتب عن الرواية : (وهذه الرواية تحكي قصة المدينة وتاريخها عبر آلاف السنين. المؤلف عايش المدينة وأهلها لعدة سنوات وعرف طيبة أهلها وحبهم للخير والتضحية، وعرف شعاب ووديان وجبال وكهوف المدينة، بل تعمق في معرفة المدينة وموقعها وتضاريسها وكل ما كتب عنها في كافة المجالات، وتابع تأثير الديانات ورجال الدين وأبطال المدينة، وحصيلة ذلك ممزوجاً مع خيال المؤلف الخصب ليقدم هذه الرواية التي تعد بحق هي ملحمة تاريخية دراسة أثنوغرافية للمدينة وأهلها.
إنَّ المؤلف أجهد نفسه كثيراً ولعدة سنوات وهو يتعمق بسبر أغوار التاريخ، ونسج منها خيوطاً ليقدم عملاً متكاملاً يتألف من أربعة أجزاء، وهذه الرواية تشمل الجزأين الأول والثاني، وجاءت بـ 400 صفحة).
شدوان مهدي يوسف
swed24