موفق محمد يضع مشرط الشعر على جراح وطن مفخخ باسم الدين

في قصيدة شديدة الألم والصدق، اختار الشاعر العراقي موفق محمد أن يصوغ مرثيته للعراق المعاصر تحت عنوان صادم: "فتاوى للإيجار". وهو عنوان لا يخفي شيئًا، بل يفضح كل شيء. ففي زمن تحوّل فيه الدين إلى غطاء للذبح، والفتوى إلى عقد إيجار للقتل، يختار موفق محمد أن يكتب الشعر لا ليُجمّل، بل ليُدين.

القصيدة، التي نُشرت ضمن ديوانه "أناشيد ضد الريح"، تُعد من أبرز النصوص الشعرية التي واجهت مباشرةً ما عاشه العراق من عنف طائفي، وفتاوى عابرة للحدود، ومليشيات تتقن فقه الذبح أكثر مما تتقن فقه الحياة.

"رواه القرضاوي"... والسخرية السوداء

يفتتح الشاعر نصه بنداء ساخر يحاكي الحديث النبوي، لكنّه مقلوب ومروّع:

    من رأى منكم عراقياً فليذبحه بيده،

    فإن لم يستطع فبمدفع هاون،

    وإن لم يستطع فبسيارة مفخخة،

    وذلك أضعف الإيمان

    رواه القرضاوي...

هذه السخرية السوداء ليست إلا مرآة لواقع قاسٍ، حيث خُطّت فتاوى القتل بمداد السياسة، وسُفكت دماء الأبرياء باسم "الاجتهاد الديني". فالشاعر لا يكتفي بإدانة الجريمة، بل يفضح البنية الفكرية التي جعلتها ممكنة، ويحمّل "الفتوى" مسؤولية مباشرة عن أنهار الدم في المدن العراقية.

العراقي: حفيد أيوب... ولكن مذبوح

في مقطع بالغ التأثير، يكتب الشاعر:

    فلقد خلق الله العراقيين من طينة أيوب،

    مازجاً معها علم آدم وحلم إبراهيم...

لكنّ هذا العراقي، الذي صُنع من صبر الأنبياء وحكمة الخليقة، تحوّل في زمن الموت المجاني إلى مجرد "هدف" في نشرة الأخبار، أو جثة بلا ملامح في سوق مزدحم.

رثاء يومي واحتفاء بالدم

مشهد مفزع يصوّره الشاعر:

 

    ونحن نكنس لحم أبنائنا في الطرقات

    فكومٌ هنا وكومٌ هناك

    ودمٌ يرى، يحاورُ لحمَ صاحبه، ويصعدُ للسماء...

بهذه اللغة التي تمزج الشعر بالتوثيق، يُدخل موفق محمد قارئه إلى مشاهد عاشها العراقيون منذ سنوات: مفخخات، ركام، أشلاء، وبكاء لا يجد ما يبكيه. يصير الدم مراسلاً ميدانيًا، يصعد إلى السماء وهو يسرد ما جرى.

الدين حين يصير سكينًا

يواصل الشاعر نقده الجريء للذين حوّلوا الفقه إلى أداة قتل:

    فبدمائها تتقربون إلى السماء

    فأذبحوا فإن الذبحَ ينهى عن الفحشاء والمنكر!

    وكونوا قوامين على أعراس الذبح...

وهنا يبلغ التهكم ذروته. فالصلاة تتحوّل إلى "صلاة ذبح"، والطهارة تُنال بماء الدم، والمؤمن يُقيم "صلاة جنازة" على جسد الوطن، لا على جسد ميت بعينه. يسائل الشاعر صمت رجال الدين الذين باركوا المذابح، والذين وقفوا على منابر الخراب يهللون، بينما كانت الجثث تُصلّى عليها مرتين: مرة بالرصاص، ومرة بالفتوى.

نهاية القصيدة... ونهاية مفتوحة

رغم كل هذا النزيف، لا يفقد الشاعر إيمانه بالعراق:

    إن العراقَ أبو المصائبِ منذُ بدء الخلقِ

    لم يأنسْ بنهريه

    ولم يأمن من الخوف

    ولم يطعم جياعه

    لكنه وطنٌ وجذرُ

    ونصبرُ

    ونبقى نضمدُ جرحَ العراق

    ونشدُ أزرَ بنيه...

إنه نداء للبقاء رغم الخراب، وللحب رغم الدم، وللمقاومة رغم كل "فتاوى الإيجار" التي استأجرت الجلادين وأعفتهم من ضريبة الإنسانية.

"ان قصيدة فتاوى للإيجار" ليست نصًا أدبيًا فحسب، بل شهادة شعرية على زمن استُبيح فيه الإنسان باسم الدين، وتحوّلت فيه الفتوى إلى رخصة للقتل. وهي في الوقت ذاته، صرخة مقاومة من شاعر رفض أن يهادن، واختار أن يكون صوتًا للضحية لا للجلاد.

بهذا النص، يضيف موفق محمد إلى الشعر العراقي فصلًا جديدًا، يتقاطع فيه الوجع مع الجرأة، والمرارة مع الجمال، والنص مع التاريخ.