في أيلول 1980، تشكلت أول مفرزة قتالية تتوجه الى مناطق دهوك وسهل الموصل. يقود المفرزة التي عددها حوالي 42 نصيرا، الرفيق (أبو ماجد)، وهو من أبناء قرية (دوغات) التابعة الى مدينة القوش. تحركت المفرزة من وادي كوماته في الساعة الثالثة فجر يوم 15 أيلول، وأول عقبة واجهتها، هي عبور نهر الخابور الجارف الذي يقع على الحدود مع تركيا مباشرة. يتم العبور بواسطة (صندوق على شكل كرسي) معلق بعجلة وسلك معدني يربط الضفتين، ولا يتسع لاكثر من شخص، لذا استغرقت عملية العبور ساعتين.

صعدنا بموازات الخابور، ثم نزلنا إلى وادي ضيق طويل وفي وسطه نهر جاف، وهو الحد الفاصل بين العراق وتركيا. لا يوجد طريق سالك على الجانب العراقي، والطريق التركي خطرا لوجود (القرقول)، فاضطررنا ان نسير وسط النهر الصخري الجاف. كان الرفيق أبو ماجد يعاني من (الربو)، ويستريح كل ربع ساعة، فاصبحت حركتنا بطيئة، وهذا ما ارهق الرفاق. كنت أحمل السلاح الأثقل (العفاروف)، وزنه حوالي 17 كيلو. بعد مسيرة ساعة، مررنا خلالها بجانب معسكر (القرقول)، كانوا ينظرون إلينا، لكنهم لم يتعرضوا لنا، لانهم يعرفون بأننا لا نستهدفهم، بل نساعدهم أحياناً بالشاي والسكائر.

عند الساعة العاشرة صباحاً، وصلنا إلى فسحة كبيرة تقع على الجانب العراقي مقابل قرية (آروش) التركية. توقفنا للأستراحة، وكانت طويلة نسبياً، تناولنا خلالها الخبز والشاي. عند الثانية عشرة، بدأنا الصعود لأول قمة جبل بأتجاه العمق العراقي، لنجتاز المنطقة المحرمة والمهجرة (15 كلم). من فوق القمة، لاح لنا من بعيد مقر فوج للجيش العراقي يقع على قمة تشرف على نهر الخابور. هذا الفوج يقصف مقرنا ومقر (حدك) في كلي كوماته، بمدفع هاون 120 ملم بين فترة واخرى.

كان الأرهاق واضحاً على الرفاق، ومعاناتي مضاعفة لثقل سلاحي. انتبه الرفيق أبو قيس (استشهد لاحقاً)، وعرض عليّ المساعدة بحمل العفاروف، كررها اكثر من مرة، لكني رفضت. وصلنا إلى عين ماء عذب، استرحنا قليلا ثم واصلنا الحركة. كنت أراقب اشكال القمم والأشجار والوديان، وكل ما يساعد في تحديد اتجاه مسيرنا. حلّ المساء، وبدأ النور يجرّ أذيال ثوبه الأرجواني بين القمم. عند قمة يبدأ منها وادي يؤدي إلى قرية (قـُمرية) المهجرة، طلب الرفيق أبو قيس وبلهجة حازمة أن اعطيه سلاحي وأحمل بندقيته، وافقت، على أن يعيده لي في القرية، شعرت بفرق الحمل الذي كان ينغرس في لحم كتفي!. وصلنا إلى (قمرية) حوالي الساعة العاشرة. جميع بيوتها القليلة هُدمت، ماعدا جامع القرية المكون من غرفة واحدة وباحة صغيرة. دخل قسم إلى الغرفة، والباقي ألقوا بأجسادهم المنهكة على أرض الباحة بعد مسير 18 ساعة. أسندتُ ظهري إلى جذع شجرة، وجميع الرفاق متقاربين. ذهبت مجموعة من الانصار لأستطلاع منطقة عبور الشارع الأسفلتي الذي يربط بين زاخو وناحية (كاني ماسي). المنطقة خطرة، وفترة الأستطلاع لا تقل عن ساعة، وهي فرصة لتجديد النشاط بنومة قصيرة. ساد صمت مطبق، يدلّ على أن الجميع غط في نوم عميق!.

فتحت عيني، فصُعقت لهول المفاجأة، لم اجد احد!. أدركت أن المفرزة غادرت المكان وتركتني!. نظرت لساعتي، كانت الثانية عشر ليلاً، حملت البندقية وانطلقت بأثر المفرزة. بعد مسافة توقفت، ركزت نظري في الاتجاهات المبهمة، صمت مطبق، لا شيء سوى طنين البعوض. لا أستطيع المواصلة لأني لا أعرف الطريق!. فكرت أن أعود للقاعدة في (كوماته)، وهي مجازفة، والبقاء في المنطقة الخطرة إنتحار، وإذا ظهر الفجر تكتشفني ربايا الجيش!. تحركت بسرعة، وأصابع قدميَّ تصطدم بالأحجار، بسبب تمزق حذائي المطاطي (السمسون) من الأمام. في المقر لا توجد أحذية، وعدوني بشراء حذاء من اول قرية نصل اليها!. "الألم والدم ليس ذي قيمة في تلك الظروف"!.

صعدت إلى القمة، ارتويت من عين الماء، ثم ملأت (زمزميتي) ومشيت. بعد مسافة، أدركت أني سلكت الطريق الخطأ، فعدتُ الى عين الماء. كنت وحيدا في طبيعة قاسية وموحشة، تجبرك على التفكير بالمخاطر!. انحدرت نحو منطقة الأستراحة الاولى مقابل قرية (آروش). بعد 6 ساعات من المشي السريع، بزغ ضوء الفجر، فتفاجأت بثلاثة مسلحين يصعدون باتجاهي. صوبت بندقيتي وصرخت (توكي) / قف، من هناك؟. صرخوا ايضا (توكي)؟. لحظة حرجة، بادرت لحسم الموقف، وقلت: "أنا رفيق من الحزب الشيوعي"، أجابوا: "نحن من الحزب الديمقراطي". تبادلنا التحية، وسألوا بأستغراب (لماذا أنت هنا وحيداً؟!). أخبرتهم بما حدث، وطلبت منهم أن يعطوني خبزاً، فالجوع أنهكني، كما طلبت منهم أن يخبروا رفاقي أذا صادفوهم في منطقة (برواري بالا). علمتُ لاحقاً، أنهم وبعد عبورهم الشارع الأسفلتي ليلاً، إلتقوا بمجموعة من مفرزتنا يبحثون عنّي، فأخبروهم بأني في طريقي الى المقر، كما علمتُ أن رفاق مفرزتنا اكتشفوا غيابي صباح اليوم التالي عند أستراحتهم قرب قرية بليزان!، وأنهم أشتروا لي حذاءً، ولم أستلمه (يا فرحة اللي ماتمت!).

في استراحة (آروش)، حرصت أن لا يشاهدني أحد. رميت بجسدي المتعب تحت شجيرة كثيفة وإستسلمتُ لنوم عميق، حاضنا بندقيتي. بعد الظهر، فتحتُ عيني، واذا بمجموعة من الرفاق في نفس المكان، تفاجأوا (كيف ظهرتُ لهم كالجن من باطن الأرض!). رويت لهم الحكاية، ضيفوني بما توفر من طعام وشاي. كانت معهم كاميرا، فالتقطوا لي الصورة اعلاه، والتي يظهر فيها الرفيق (أبو سرمد البصري). عرضوا علي ان يرافقني احد الرفاق وان يزودوني بالعتاد، رفضت، وكان ذلك خطاً. تحركت المجموعة الى القاعدة الجديدة (هيركي)، بينما توجهتُ الى المقر.

ودعتهم الساعة الرابعة، أملاً أن أتجاوز معسكر القرقول قبل أن يحل الظلام. بعد أكثر من ساعة، اظلم الوادي. كل شيء ساكن، بندقيتي جاهزة للرد حتى على (خيال المآته). درتُ حول حجر كبير مظلم، صُعقت، فها أنا في مدخل خيمة الجنود ولا مجال للتراجع. كانوا خمسة ياكلون من (قصعة واحدة) على ضوء فانوس خافت. بنادقهم مركونة، وبندقيتي مصوبة نحوهم، رفعوا عيونهم مرعوبين. خيم الصمت لدقائق!. في البداية أعتقدوا أنهم وقعوا في الأسر!، ولمّا لم يروا مايدل على تعرضهم لهجوم، تشجع مسؤولهم وسألني بالتركية، هززت رأسي قائلا (تركي نَزانم) لا أعرف التركية!، فترجم أحدهم: (مَن أنت ومِن أين؟!)، قلت: (من مقر الشيوعيين). عندما تيقنوا أني مجرد عابر سبيل، طلبوا مني سكائرا، لانهم في مكان معزول، ورغم أن في جيبي علبة سكائر (أريدوا)، الا ان بندقيني جاهزة لاي طارئ. قال لي امرهم: (انت دخلت الارض التركية، وهذا ممنوع، أذهب واسلك الارض العراقية!). بدأت اتحرك للخلف، بينما عيناي وبندقيتي مصوبتان نحوهم. بعد عشرة أمتار أستدرت، وأنطلقت مسرعا. اثناء الليل لايمكن السير وسط النهر الجاف بسبب الصخور، فبقيت امشي في الجانب التركي. فكرت بوجود دورية لـ(ألقرقول) في الطريق، وفعلا سمعت حديث جنود متوجهين نحوي. جلست خلف حجر، فمرّ جنديان بالقرب مني. تحركت بسرعة حتى وصلت إلى قطع جبلي مرتفع من احجار هشة على الجانب التركي. الأنزلاق والسقوط في نهر الخابور موت محتم. مصباحي اليدوي الصغير في آخر أنفاسه. أعطيت أشارات (مورس) لحارس سجن مقر الحزب الديمقراطي الذي يقع عبر نهر الخابور وبقيت أنتظر. سمعت صوت (توكي)؟، فرحت كثيرا، اثنان من بيشمركة (حدك) عبرا لمساعدتي في.

استقبلني رفاقي في فصيل الأدارة وهم غير مصدقين، ضنوا أن مفرزتنا تعرضت لحادث وأنا نجوت. كما جاء رفاق مسرعين من فصيل القيادة، من بينهم الرفيق أبو يوسف (سليم اسماعيل) عضو اللجنة المركزية والمستشار السياسي لقاطع بهدينان. حكيت لهم القصة بأختصار، ثم غرقت في نوم عميق.

النصير الشيوعي العدد 41 السنة الرابعة كانون الاول 2025