كنا في مقر " كافية " للانصار الشيوعيين، وهو وادي فيه الكثير من الاشجار غير المثمرة. ينحدر عند إلتقاء سفحين لجبلين ليس بشاهقين، وفي اسفله يوجد متجر بسيط لصاحبه (كاكه حمه)، وهو المتجر الوحيدة في القرية الصغيرة.

للمرة الثانية، بعد اكثر من شهر، تؤنب النصيرة زينب صاحب المتجر، لانه لم يجلب لها علبة الـ(كبجينو) بعد عودته من المدينة، وبالرغم من انها كتبت له اسمها على ورقة، الاّ ان (كاكه حمه) يؤكد عدم معرفته بالـ(كبجينو) ولا حتى الباعة الذين يشتري منهم بضاعته يعرفونها!، لكنه وعدها بان يجلبها من تركيا بواسطة المهربين المودجودين في القرية.

عندما اخبرتها بأني أيضا لا اعرفها قبل الآن*، بالرغم من سفري الى الخارج سابقا، إلتفتت الي بنصف وجهها، رفعت حاجبها، وبنصف ابتسامة قالت: "انت هم متخلف"!.

بعد اسبوعين جاءت الـ(كبجينو). كانت فعلا لذيذة، وكلما دعتني لتناولها، اشيد بطعمها وبخبرة الرفيقة زينب في تحضيرها. ولمّا طلبت منها تعليمي طريقة اعدادها، رفضت وتهربت،  بينما زوجها يضحك ويجيب: "هذا سر المهنة، حتى انا ما علمتني".

غذاؤنا بسيط، ويعتمد بشكل رئيسي على الحبوب، لكنّ الاهتمام بتحضيره من الامور المهمة، والويل لمن يرتكب خطأ في اعداده. أما الرفاق الذين لا يجيدون الطبخ، فيستعينون دائما بالرفيقات.

زينب ليست بطباخة ماهرة. لكن من اين تأتيك الجرأة لتقول لها: "ما تعرفين تطبخين"، ونحن نعرف بأنّ ((الطبخ والعمر وجهان لعملة نسائية واحدة من اليابان الى كاليفورنيا!)). حصلنا في ذلك اليوم على وجبة جيدة من اللحم، فأبدى الجميع (بمن فيهم رفاق مفرزة كبيرة وصلت توا الى المقر)، استعدادهم لمساعدة زينب، سواء بجلب الحطب وتقطيع اللحم، او غسل الصحون وتهيئة الشاي. زوجها عامل، لا يحمل شهادة دراسية، بينما تخرجت زينب من كلية الآداب فرع اللغة العربية. تعرفا على بعضهما اثناء الدراسة الحزبية في موسكو.

بسبب العدد الكبير، طلبت زينب من زوجها ان يسأل الاداري (بولا): بأن يعطيها (القدر الكبير)، لأنها تريد ان تطبخ مقلوبة للرفاق الضيوف!. (المقلوبة) اكلة احتفالية، تترك على نار هادئة لكي يتشرب الرز بأبخرة المواد التي تحته من اللحم والخضار، وبعد اكتمال الطهي، تقلب في (صينية) كبيرة.

ارتاح الرفيق (بولا) لفكرة تقديم المقلوبة احتفاء بالضيوف، لكنه ذهب الى زينب ليتاكد من استعدادها: "اخاف تتعبين"؟. اجابت: "كلشي لعيون الرفاق يهون، على الاقل يأكلون اكلة طيبة". ارسل بولا نصيرين الى القرية، لجلب كل ما ارادته من خضراوات، وسألني بعد ان طلب مني ان آتي بالقدر الكبير: "تكَدر تساعدها"؟. اجبته: "لا"، فقال: "انت الوحيد الذي طبخ المقلوبة"، لكني طبختها لعدد لا يتجاوز العشرة انصار، اما مقلوبة لستين (ما اعرف شلون راح تطلع)!.

جلبنا انا والنصير ابو خالد (القدر الكبير) من خربة استخدمناها كمخزن للمواد الغذائية والادوات الزائدة. ابو خالد خياط ماهر، تفرغ لخياطة البدلات للانصار، اصله من عقرة، وبالرغم من انه عاش في بغداد لمدة 20 سنة، لكنه لم يتعلم العربية بشكل جيد، كما نسي الكثير من الكوردية. يمتلك (عنزا)، يعيش معه في غرفته، اطلق عليه اسم (كَد كَد)، يتبعه اينما ذهب، وخاط له بجامة بأربعة قوائم، تغلق عند الظهر بسحّاب، والانصار حسدوه على (شياكته)!.

"كَد كَد " (بعرر) في المطبخ، فصاح هوبي الذي يساعد في تقشير البصل على "كَد كَد" الذي قفز وكاد ان يحرق زينب التي صاحت!: "رفيق ابو خالد، اكو واحد يجيب صخل للمطبخ؟، اشلون راح تطلع المقلوبة وريحة البعرور ترست المكان؟". انفعلت زينب ووصفته بالمتخلف، ثم أضافت بسخرية "وجماله يكَول أني بغدادي، شتعلمت من بغداد!". اخذ ابو خالد المكنسة المصنوعة من اغصان الاشجار، فغضب هوبي "بالمكنسة تصير المقلوبة مال بعرور وتراب، يقبلها ضميرك". هجمت عليه زينب، أخذت منه المكنسة وأجبرته على التقاط البعرور بيده واحدة واحدة!.

"كَد كَد" اكتسب بعض العادات الآدمية نتيجة اختلاطه الدائم بنا، وعندما تأتي حيوانات الرعاة، وبالذات العنزات، ينظرن اليه باندهاش وهو يتبختر ببجامته، لم يعرهن اي اهتمام، ولكننا نعرف انه "يتبغدد عليهن". عندما نكون في الغرفة التي يسكنها مع ابو خالد ويرانا جالسين، يجلس عند قاعدة ماكنة الخياطة بجانب قدمي ابو خالد. كان يقف قربنا، ويبدو قلقا، امره ابو خالد بالجلوس، الا انه ادار رأسه باهتمام الى المطبخ. زينب عادت بالرز المغسول لتضعه في القدر. "كَد كَد" عاد متوجسا من خلفها ودخل المطبخ. هوبي الذي يجلس بجانبنا رفع نظره، وبصوت واطئ لكن بحزم: "لك سويها مروتك". وسواها "كَد كَد". زينب اكملت وضع الرز و" كَد كَد " اكمل بعررته. وقف هوبي وصاح ب" كَد كَد " لك اكو واحد دازك علينه اليوم؟ التفتت زينب ورأت البعرور، اختطفت الجفجير وقبل ان تكمل استدارتها اليه قفز " كَد كَد " وفي لحظة تجاوزنا بعشرة ياردات، كان اسرع من كنغر، ووقف متحفزا ينتظر، هل سينجح ابو خالد في ايقاف زينب عن مطاردته؟.

- ابو خالد: عيب يارفيقة، عقلك وعقل هالحيوان؟

- زينب: ألعن ابوه يابو الرباه.

- ابو خالد: هسه آني انظف المطبخ.

عادت زينب الى المطبخ وهي تدمدم، اطبقت غطاء القدر بعصبية، هفّتت النار وأبقت على الجمر فقط وخرجت.

ابو خالد اعتقد ان زينب نتيجة عصبيتها هفتّت النار تحت القدر، فهز يده مستنكرا: "الله ما راح يخلصني منها لا آني ولا " كَد كَد " اذا بقى الرز حب". سارع في تغذية الجمر بالحطب، واشتعلت النار مرة اخرى!.

ضرب الجوع بطون الانصار، وراحوا يدورون حول المطبخ، لقد تجاوزت ساعة الغداء قليلا. اخبرت هوبي ان الغداء سيتأخر على الاقل نصف ساعة، لكي توضع المواد الاخرى اسفل القدر وفوقها الرز المطبوخ.

يبدو اني كنت على خطأ، فسرعان ما وصلت الرفيقة زينب، ونادت على اربعة رفاق نشطين، لكي يرفعوا القدر بمحتوياته. رفعت غطاء القدر، انزاح البخار امامها، بهتت، وتحولت ابتسامتها الفخورة الى نظرة مشدوهة. وبحركة آلية قلبت فوقه الصينية التي هي اوسع قليلا من الغطاء، لكي يقلبوا المقلوبة في الصينية، لكن القدر لم يفرغ كل محتوياته، وبقي ثقيلا، وسمع صوت اشبه بالحصى وهي تنقر في الصينية. رفع القدر ووجد ان محتوياته اسفل الرز تحولت الى قطعة سوداء (حكاكة محروكَة)، والرز لا يزال حبا.

ادركت ان زينب لم تطبخ الرز عندما وضعته فوق المواد الاخرى، وأكملها ابو خالد بإشعال النار، فلا الرز نضج، ولا باقي المواد تمازجت نكهتها تحت حرارة واطئة حين ابقت على الجمر فقط. اخبرت هوبي بالخطأ. هوبي لم يبتسم، ولكن وجهه ضج بالفرح، وقرر ان يحتفل، فسارع في فرش البطانية التي نجلس عليها، ارتكز على رأسه ورفع جسمه في الهواء وانقلب عليها (دقلة)!. استغرب (بولا) الذي اتى بالخبز من المخزن، ولم يعرف بما حصل وسأله: هاي شدتسوي؟!، رفيق اتغده، والتفت اليّ: "اشو كَاعد ما راح تاكل؟"، ومد يده ليأخذ حصتنا من الخبز. زينب فقدت اعصابها، تركت المطبخ والجفجير في يدها تركض وراء "كَد كَد " والسباب على ابو خالد.

النصير الشيوعي العدد 41 السنة الرابعة كانون الاول 2025