وصلت باب الطوب في الموصل قادما من الجبل. سبق لي ان زرت الموصل وتعرفت عليها بشكل جيد، وذلك عام ١٩٧٧ في احدى المسابقات الرياضية، حينما كنت بمنتخب تربية بغداد الرصافة للساحة والميدان، وبطل بغداد للشباب برمي القرص.

عندما وقفت السيارة في مرآب باب الطوب، استرجعت المطاعم والاسواق والحمام الشعبي!. كنت بحاجة الى الحمام بعد عدة ايام من المشي لمسافات طويلة والنوم في العراء. دخلت الحمام، ولهجتي البغدادية خير غطاء للاختفاء. بقيت ساعتين تقريبا، وددت خلالها ان انام قليلا، لما اصابني من اعياء وتعب.

تركت الحمام وذهبت الى مطعم قريب يقدم وجبات فطور صباحية (القيمر والعسل). كنت اخشى السؤال عن سيارات الاجرة الذاهبة الى بغداد، فكيف لبغدادي لا يعرف اين يقع الكراج!، لكني عندما خرجت من المطعم، سمعت شابا ينادي: "بغداد .. بغداد". صعدت بسرعة ومن دون كلام. جلست قرب الشباك وسط الحافلة، ورحت افكر بالاسئلة التي يمكن ان اتعرض لها خلال الطريق.

في مقر الانصار، عمل لي النصير رزوقي (آراس) بالتعاون مع النصير (ابو عليوي)، وهما ملمّان بأمور الطباعة والاستنساخ، وثيقة تحمل اسم (كريم عبد الله جاسم)، بالاضافة الى مهنتي كطالب مرحلة ثالثة الجامعة المستنصرية.

تحركت الحافلة، وصدح صوت سعدون جابر "حسبالي عدينا الوفا .. والعمر وتوافينا....."، واخذتني الذكريات بعيدا...........!

في حوالي الساعة الثانية عشرة منتصف النهار، وصلت الى (ساحة عدن) مدخل العاصمة، من دون توقف في سيطرات الطريق. كان يوما حزيرانيا حارا، وعاصفة ترابية ملأت سماء بغداد بالغبار الكثيف. نزل بعض الركاب، ونزلت معهم تجنبا للنزول في المنطقة المزدحمة بالناس. انا الان في بغداد، في ساحة عدن التي تبعد (كلم) واحد عن مسقط رأسي ومدينتي التي قضيت فيها طفولتي وصباي، قبل ان تقرر عائلتي الانتقال الى (حي المعلمين - بغداد الجديدة) عام 1971. منحني الغبار الذي حجب الرؤية بنسبة عالية، حرية الحركة والتجول في المدينة، منتظرا حلول الظلام لاتسلل الى بيت اهلي واختفي فيه.

في تلك الظهيرة، وتحت وطأة حر الصيف، خطرت لي فكرة الذهاب الى المكتبة التابعة لمركز شباب الكاظمية التي طالما ترددت عليها لما كنت طالب في متوسطة دجلة. دخلت الى المكتبة، وقدمت هويتي كطالب، ثم تناولت كتاب من الرف، (ديوان الجواهري) الذي لم اكن اتوقع وجوده. قضيت ثلاث او اربع ساعات في قاعة مبردة، قاومت النعاس بصعوبة بالغة. بعدها خرجت الى الشارع، واستقليت سيارة اجرة الى الباب الشرقي، ومنه الى بغداد الجديدة، ثم المشتل. لم اذهب الى حي المعلمين مباشرة، لكي اتجنب اللقاء مع احد المعارف من الجيران.

وصلت مساءً الى منطقة المشتل المحاذية لحي المعلمين. من السهل ان اتخذ طريق الشارع الرئيسي الذي يسمى (المطبگ)، ويؤدي الى بيت اهلي مباشرة، لكني فضلت ان اسلك الازقة الفرعية الضيقة. بعد ان قطعت مسافة، وجدت نفسي قد ابتعدت كثيرا وضاعت معالم المنطقة التي اعرفها جيدا. سألت شاب صغير السن يبدو انه من ارياف بغداد ويقوم بتنزيل البضائع من سيارة (بيك آب):

- وين صارت المعلمين؟"، فأشار بيده قائلا:

- هاي كلها المعلمين

تأكدت من الطريق، وواصلت المشي حتى عثرت على بيت اهلي بعد عناء. شارعنا ولاسباب كثيرة تغيرت معالمه بعد سبع سنوات من ابتعادي عنه، لكني اعتمدت على عد البيوت من بداية الشارع المؤدي الى منزلنا الذي يحتل الرقم 4. وجدت الباب مفتوحا، ولاح لي وجه أمي وبجانبها اختي الوحيدة. كانت امي منهمكة بهوايتها المفضلة (الحياكة) من دون ملل. شاهدت في الطابق العلوي، مجموعة شباب، تظهر رؤوسهم من تحت المصباح. خمنت انهم مشغولون بلعبة النرد او الدومينو. قررت الدخول فورا، مستغلا الباب المفتوح وانشغال الشباب باللعب والممر المعتم. دخلت مسرعا ومباشرة الى الغرفة المجاورة للمطبخ حيث تجلس امي واختي، فلم تتعرف علي وصاحت معترضة: "وين، انت منو؟". وضعت سبابتي على فمي، طالبا الهدوء، واذا بالوالدة تصيح: "يا يمة وليدي"، واحتضنتني، فكان اللقاء بها واختي فيه الكثير من الشجن.

تبدد التعب، وتملكتني رغبة بالسهر والكلام. نزل اخي (ابو اكرم) الى الطابق الارضي، بعد ان ودّع اصدقاءه، ولما رآني صاح: "ادري منين اجيت؟"، فامتزجت الاشواق والحنين والخوف والرغبة في معرفة ظروف حياتي.... وصل اخي الاخر، ثم وصل والدي الذي لم يستطع تشخيصي، فأمي اخبرته بأن ضيفا حلّ علينا، وعليك ان تاتي لترحب به، فقال لي:

- مرحبا شلونك؟

- الحمدلله"

- الاهل شلونهم؟

- بخير (هذولة گدامك الاهل!)، فأذهلته المفاجأة وقال:

- ولك ما عرفتك، شنو بوية جاي اجازة؟

- نعم اجازة وارجع

- وين ترجع؟

- ارجع الى كردستان!

فقال على الفور: "شلونها حياتكم هناك بوية؟". طمأنته على حالنا.

بعد قضاء يومين مع الأهل، قررت الذهاب الى السوق العربي لتحذير رفاقي من المندس (ن). وبعد مراقبة المكان من بعيد، وصلت الى المحل المطلوب، وحين اقتربت منه رأيت (ن) يخرج مسرعا من نفس المحل، فتظاهرت بربط حذائي، حتى مرّ من أمامي ولم ينتبه لوجودي. تركت المنطقة بسرعة، وبعد مرور ساعة تقريبا، عدت اليها ثانية. صعدت الى الطابق الاول من السوق العربي. راقبت المحل المقصود، علّني ارى احد الرفاق الخارجين او الداخلين، لكن من دون جدوى، فأنسحبت، تاركا المهمة ليوم اخر.

كانت اجواء بغداد ملبدة بالخوف، وكما يقال " الحيطان لها آذان صاغية"، والثقة مفقودة حتى بين الاشقاء. خروجي ودخولي الى البيت، يرعب اهلي المكلفين بالابلاغ عن اي شيء يعرفونه عني وإلاّ!!. من مكر الاجهزة الامنية (( اذا اكتشفتَ عملا معارضا، لا تلقي القبض على الفاعل مباشرة، بل اتركه وراقبه)). كنا نتناول هذه الحقائق في احاديثنا، ونكتب عنها بادبياتنا المعنية بالعمل السري، فكيف لي ان اتعامل مع هذا الـ (ن)  وهو يعرفني واعرفه كشخص دبق ومتلون.

عدت الى البيت مساء، فوجدت الجميع بأنتظاري، وقد هيأوا لنا سهرة جميلة تخللتها البيرة الباردة والاحاديث والذكريات. كان اخوتي موزعين على امكنة متعددة، (الكبير الشهيد فارس الاعسم، مهندس مقيم بالطارمية، سبق وان خدم العسكرية في دبس - كركوك بعد تخرجه من جامعة بغداد قسم الهندسة الكهربائية، رغم تفوقه، لكنه حرم من ان يكون معيدا، واخي عصام، يخدم بمعسكر الرشيد قسم البدالات ضمن اختصاصه بمجال الاتصالات السلكية واللاسلكية، اما حسام، فكان عسكريا (مفرزة ميكانيك) بالفاو، ولم التقيه بزيارتي، واختي الوحيدة، تعمل بمكتب للرسم الهندسي ضمن اختصاصها، والاخير حيدر، كان طالب اعدادية ومختار المنطقة!. يعرف اسباب الخصومات والنزاعات المحلية، واسماء الجميلات وبنات الجيران!، والاكثر من هذا، كان مسؤولا عن اخوتي امام منظمة حزب البعث!، ويحرص على جمع الاشتراكات الشهرية، وشعاره يا مستورة انستري. كانت الاخبار متنوعة والاحاديث متجددة، وفيها نكهة الحياة البغدادية المنعشة لروحي العطشى!.

النصير الشيوعي العدد 42 السنة الرابعة كانون الناني 2026